صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

245

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

أما خديجة بنت خويلد - رضي اللّه عنها - فقد توفيت قبل الهجرة النبوية إلى المدينة بثلاث سنين في عام وفاة أبي طالب نفسه « 1 » . وكانت خديجة وزيرة صدق على الإسلام يسكن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إليها عند الشدائد « 2 » وقد وردت آثار كثيرة تدل على فضائلها ومكانتها عند اللّه ورسوله « 3 » . ونظرا لتوالي مثل هذه الآلام في هذا العام فقد سمّاه بعض المؤرخين « عام الحزن » « 4 » ، ولم يرو أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم سمّاه بهذا الاسم « 5 » . رحلة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الطائف : اشتدت مقاومة قريش للدعوة الإسلامية ، ونالت من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من الأذى ما لم تكن تنال منه في حياة عمه أبي طالب . فخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الطائف وحده - من أجل إيجاد مركز جديد للدعوة - يلتمس النصرة من ثقيف والمنعة بهم من قومه . ورجاء أن يقبلوا منه ما جاءهم به من اللّه - عز وجل - . ولكن ثقيفا لم تستجب له ، وأغرى زعماؤها وأشرافها صبيانهم وعبيدهم وسفهاءهم ، يسبّونه ويصيحون به ، واجتمع عليه الناس ورشقوه بالحجارة وألجئوه إلى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة ، ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه ، فعمد إلى ظل حبلة من عنب ، فجلس فيه « 6 » . وذكرت كتب السيرة أنه صلّى اللّه عليه وسلّم ، لما اطمأن ، توجه إلى ربه بالشكوى : « اللّهمّ إليك أشكو ضعف قوّتي ، وقلّة حيلتي وهواني على النّاس ، يا أرحم الرّاحمين ، أنت ربّ المستضعفين ، وأنت ربّي ، إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يتجهّمني ؟ أم إلى عدو ملّكته أمري ؟ إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي ، ولكن عافيتك هي أوسع لي ، أعوذ بنور وجهك الّذي أشرقت له الظّلمات ، وصلح عليه أمر الدّنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك ، أو يحلّ عليّ سخطك ، لك العتبى حتّى ترضى ، ولا حول ولا قوّة إلّا بك » « 7 » . وفي طريق عودته من الطائف ، وعند حائط ابني ربيعة ، التقى بعداس النصراني فأسلم « 8 » . وقد ورد في الصحيحين ما يكفى من الدلائل لإثبات رحلته صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الطائف ، وأن ما لقيه كان شديدا عليه ، وما عرضه عليه اللّه تعالى من عقوبتهم ، ورحمته بهم ورغبته في استبقائهم في قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « . . بل أرجو أن يخرج

--> ( 1 ) البخاري - الصحيح ( فتح الباري 7 / 224 ) . ( 2 ) ابن إسحاق - السيرة ص / 243 ، ابن هشام - السيرة 2 / 66 . ( 3 ) ابن إسحاق - السيرة ص / 243 - 244 ، أحمد - فضائل 2 / 850 - 856 . ( 4 ) المباركفوري - الرحيق المختوم ص / 133 . ( 5 ) الألباني - دفاع عن الحديث النبوي والسيرة ص / 8 . ( 6 ) ابن هشام - السيرة 2 / 70 - 72 ، ابن سعد - الطبقات 1 / 211 - 21 . ( 7 ) ابن هشام - السيرة ( 2 / 70 - 72 ) وإسناده حسن مرسل ورواه ابن سعد في الطبقات ( 1 / 211 - 212 ) مختصرا وفي إسناده الواقدي ، ورواه البيهقي في دلائل النبوة ( 2 / 414 - 417 ) عن طريق موسى بن عقبة عن الزهري ، ورواه الإمام أحمد في المسند ( 4 / 335 ) كما ذكره السيوطي في الجامع الصغير ، وعزاه للطبراني وحسّنه . ( 8 ) أرّخ الواقدي الرحلة في شوال سنة عشر من المبعث بعد وفاة أبي طالب وخديجة - رضي اللّه عنها - وذكر أن مدة إقامته بالطائف عشرة أيام ، ابن سعد - الطبقات 1 / 121 .